أدناه مقال عن الإعجاز العددي للمهندس عدنان الرفاعي نقلناه لكم من الشبكة بدون أية زيادة أو نقصان ، لما فيه من الفائدة للمسلمين .

الإعجاز العددي في القرآن الكريم

المعجزة حقيقة يراها البشر و يستحيل عليهم الإتيان بمثلها ، و هي برهان من الله تعالى لإثبات مصداقية منهجه الذي يحمله رسله عليهم السلام..

و المعجزة بشكل عام هي خرق للمألوف ، إما بخرق القوانين الكونية التي اعتاد عليها البشر ، و تكون بذلك فعلاً من أفعال الله تعالى ، ساحته عالم المادة و المكان و الزمان ( عالم الخلق ) .. و إما بإظهار أسرار الوجود ، و تكون بذلك متعلقة بصفات الله تعالى ، و ساحتها عالم ما وراء المادة و المكان و الزمان ( عالم الأمر ) ..

ففي معجزة موسى عليه السلام نعلم أن مسألة شق البحر هي معجزة كونية مشاهدة من قبل بني إسرائيل آنذاك ، و من قبل فرعون و قومه ، و هي عمل كوني ( فعل من أفعال الله تعالى ) ، يستحيل على أولئك البشر القيام به بذات الحيثية التي حصل بها .. و كذلك معجزة تحوّل عصا موسى عليه السلام الى حية تسعى ، و كذلك إخراج يده بيضاء للسائلين .. كل ذلك - إضافةً لباقي المعجزات التي أُيد بها موسى عليه السلام – معجزات كونية ساحتها عالم المادة و المكان و الزمان ، و بالتالي هي معجزات آنية لجيل من الأجيال دون غيره ، و لا تكون معجزات للأجيال اللاحقة إلا بعد تصديق هذه الأجيال للرسالة و المنهج الذي أنزل على موسى عليه السلام ..

و كذلك الأمر في المعجزات التي أُيد بها عيسى عليه السلام ، و هي إحياء الموتى بإذن الله تعالى ، و إبراء الأكمه و الابرص ، فهي معجزات تنتمي لعالم الخلق ( عالم المادة و الزمان و المكان ) ، و أفعال في أزمنة و أمكنة محددة ، كمعجزات كونية للذين عاصروا نزول المناهج السابقة ..

و هكذا فالمعجزة شيء ، و المنهج شيءٌ آخر ، فمعجزة موسى عليه السلام -كما نعلم - هي شق البحر ، و إخراج يده بيضاء ، و تحول عصاه الى حيةٍ تسعى و ... الخ ، أما المنهج الذي أنزل عليه لتبليغ قومه فهو التوراة .. و معجزة عيسى عليه السلام هي - كما نعلم - ولادته من دون أب ، و إحياء الموتى بإذن الله و إبراء الأكمه و الأبرص ، أما المنهج الذي أنزل عليه لتبليغ قومه فهو الإنجيل.

أما بالنسبة لمعجزة الرسول محمد (ص) ، و المنهج الذي أُنزل إليه لتبليغ البشر ، فالأمر مختلف تماماً .. إن المعجزة – هنا - هي القرآن الكريم ، و المنهج هو القرآن الكريم ، أي أن المعجزة هي ذاتها المنهج ..

و في حين أن المعجزات السابقة هي - كما قلنا - ضمن إطار المادة و المكان و الزمان ، و أفعال من أفعال الله تعالى و خاصة بجيل دون غيره ، فإن معجزة القرآن ، تتعلق بصفات الله تعالى ، و مستمرة في كل زمان و مكان و لا يمكن لمخلوق أن يحيط بها ، و لها عطاء متجدد حتى قيام الساعة ..

هذه المسألة التي تميز ماهية القرآن الكريم ( كمعجزة و كمنهج )عن ماهية المعجزات و المناهج الأخرى ، بينها القرآن الكريم في النقطتين التاليتين:

  1. الكتب السماوية جميعاً - بما فيها القرآن الكريم – ( كمنهج و ليس كمعجزة ) ، هي كلام الله تعالى ، أي أن معانيها و ما تحمله من دلالات وأحكام ، هي من الله تعالى ، و هذا لا يفرض أن تكون الصياغة اللغوية ( القول ) لتلك الكتب من الله تعالى .. بينما القرآن الكريم ( كونه معجزة ملتحمة بالمنهج ) ، إضافةً إلى أنه كلام الله تعالى ، هو قول الله تعالى ، أي صياغة لغوية من الله تعالى ..

    (( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين )) [ المؤمنون :23\68 ]

    (( إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً )) [ المزمل : 73\5 ]

    (( إنه لقولٌ فصل (13) و ما هو بالهزل )) [ الطارق : 86\13-14 ]

    - فالقرآن الكريم الذي نزل تبياناً لكل شيء (( و نزلنا عليك الكتب تبياناً لكل شيء)) [ النحل : 16\89 ]

    يؤكد لنا – كما نرى –في ثلاث آيات أنه قول الله تعالى ، في الوقت الذي لا توجد فيه آية واحدة تشير الى أن الكتب الأخرى هي قول الله تعالى ...

    و لذلك تحدى الله تعالى الإنس و الجن على أن يأتوا بنص مماثل للنص القرآني ، في الوقت الذي لم يتحدّ البشر في أن يأتوا بنص مماثل للكتب السماوية الأخرى .. و هذا دليلنا على تعلق الصياغة اللغوية للقرآن الكريم بالله تعالى و صفاته العظيمة ، و أن هذه الصياغة هي - بما تحمله من أدلة و معان – المعجزة في القرآن الكريم .. فكون القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ، يقتضي كونه منهجاً لله تعالى .. و كونه قول الله تعالى يقتضي كونه معجزة صالحة لكل زمان و مكان ..

    (( قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً )) [ الإسراء 17\ 88 ]

  2. الكتب الأخرى كمناهج مجردة عن المعجزات ، و كونها صياغة لغوية غير متعلقة بالذات الإلهية و صفاتها ، تحمل من المعاني و الدلالات ما لا يخرج عن إطار ساحة إدراك المخلوقات ، ولا يوجد تأويل لنصوص تلك الكتب خارج ساحة إدراك المخلوقات .. بينما في نصوص القرآن الكريم ( كمنهج للبشر و كمعجزة متعلقة بالذات الإلهية و صفاتها ) نرى أنه في الوقت الذي تحمل فيه هذه النصوص دلالات و معانٍ تدركها المخلوقات ، تحمل في الوقت ذاته دلالات و إشارات لا يحيط بها إلا الله تعالى ، و هذا ما أشار إليه القرآن الكريم بعمق تأويل القرآن الكريم .. يقول تعالى:(وما يعلم تأويله إلا الله ) آل عمران : 3/ 7 (ولقد جئنهم بكتب فصلنه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ....... ) الأعراف : 7 / 52-53

 

فالإطار الأخير لحدود دلالات النص القرآني لا يحيط به إلا الله تعالى ، ولا يستطيع البشر النظر الى هذا الإطار إلا في الآخرة كما يبين القرآن الكريم ..

و سنبحر الآن مع بعض الدلالات الإعجازية لهذا الجيل ، لنرى جانباً هاماً من جوانب الوجه الإعجازي التي لا يحيط بها إلا الله تعالى ..

لو أخذنا مجموع ورود أي كلمة قرآنية ، لرأيناه مختزلاً للحقيقة العددية التي ترتبط بها المسألة التي تصفها و تسميها هذه الكلمة ، و لكان لهذا المجموع إرتباطاته العميقة مع مجاميع الكلمات الأخرى .. و هذا لا يعني أنه مطلوبٌ منّا أن نحيط بالحقائق المرتبطة بمجموع أي كلمة قرآنية ، لأننا لا نحيط أصلاً بالحقائق الكونية التي تصفها و تسميها هذه الكلمات..

نحن نعلم أن الأرض تدور حول نفسها ( 365 ) دورة متمايزة ، و ذلك في دورانها حول الشمس .. هذه الحقيقة الكونية يشير إليها القرآن الكريم عبر مجموع ورود كلمة يوم.. فكلمة ( يوم ) مفردة ترد في القرآن الكريم ( 365 ) مرّة..

ونعلم أن للقمر (12) مساراً متمايزاً حول الأرض ، هذه الحقيقة الكونية يشير إليها القرآن الكريم عبر مجموع ورود كلمة شهر .. فكلمة شهر مفردة ترد في القرآن الكريم (12) مرة ..

و لو نظرنا الى مجموع ورود كلمات ( البحر – البر – يبساً ) لرأينا أن العلاقة العددية ما بين هذه الكلمات هي ذاتها العلاقة العددية التي تربط نسبة اليابسة و الماء على سطح الكرة الأرضية ..

فكلمة البر ترد ( 12 ) مرّة و كلمة يبساً ترد مرّة واحدة .. أي أن المجموع هو ( 13 ) مرّة .. و كلمة البحر المعرّفة ترد ( 32 ) مرّة .. و هكذا يكون مجموع ورود هذه الكلمات هو ( 13+ 32 ) = 45 .. و تكون :

نسبة اليابسة هي : 13\45 = 29 % و نسبة الماء هي : 32\45 = 71 %

و لو نظرنا الى كلمة الدنيا في القرآن الكريم لرأينا أنها ترد ( 115 ) مرّة ، و لو نظرنا الى كلمة الآخرة المناظرة لها تماماً لرأيناها ترد أيضاً ( 115 ) مرّة ..

و لو نظرنا الى كلمة ( جنّات ) و مشتقاتها لرأيناها ترد في القرآن الكريم ( 77 ) مرّة ، و لو نظرنا الى كلمة جهنم المناظرة لها تماماً لرأيناها ترد أيضاً ( 77 ) مرّة ..

و لو نظرنا الى كلمة الملائكة في القرآن الكريم لرأيناها ترد ( 68 ) مرّة ، و كذلك كلمة الشيطان ترد ( 68 ) مرّة . و لو نظرنا الى كلمة الملائكة ومشتقاتها لرأيناها ترد ( 88 ) مرّة ، و كذلك كلمة الشيطان و مشتقاتها ترد ( 88 ) مرّة ..

و كلمة الإيمان ترد في القرآن الكريم ( 17 ) مرّة ، و كذلك كلمة الكفر ترد ( 17 ) مرّة .. ، و كلمة الخبيث ترد ( 7 ) مرّات و كذلك كلمة الطيب ترد ( 7 ) مرّات .. ، و كلمة الرشد ترد ( 3 ) مرّات و كذلك كلمة الغّي ترد ( 3 ) مرّات .

و هكذا فمجموع ورود أي كلمة في القرآن الكريم يتعلق بحكمة مطلقة لا يحيط بها إلا الله تعالى .. و كلما ارتقى تصوّرنا العلمي للحقائق الكونية ارتقى إدراكنا لمجموع ورود الكلمات التي تصف و تصوّر هذه الحقائق الكونية .. فلو لم نعلم نسبة اليابسة و الماء على سطح الكرة الأرضية ، لما أدركنا جوهر مجموع ورود الكلمات المصورة لهذه المسائل في القرآن الكريم ..

و لو نظرنا الآن الى مسألة مجموع ورود الكلمات المختلفة في نص قرآني يصوّر مسألة ما لرأينا أن هذا المجموع يشير الى جوهر المسألة التي يصفها هذا النص ..

نحن نعلم أن عيسى عليه السلام لبث في الأرض قبل أن يرفعه الله تعالى الى السماء (33) عاماً .. هذه المدة يشير اليها القرآن الكريم عبر مجموع كلمات بعض النصوص القرآنية المصورة لهذه المسألة .. و سنختار النصين التاليين من بين مجموعة هذه النصوص ..

(( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم و قال المسيح يبني إسرائيل اعبدوا الله ربّي و ربكم إنّه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار و ما للظلمين من أنصار )) [ المائدة 5\72 ]

(( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثةٍ و ما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحدٌ و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذابٌ أليم (73) أفلا يتوبون الى الله و يستغفرونه و الله غفورٌ رحيم )) [ المائدة 5\ 73-74 ]

و لو نظرنا الى مسألة مجموع ورود الكلمات في المسائل التي تصف حقائق متناظرة ، لرأينا أيضاً أن هذه المجاميع ترد أيضاً في القرآن الكريم بشكل متناظر .. لننظر إلى الأمثلة التالية :

(( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجهدوا بأموالهم و أنفسهم و الله عليمٌ بالمتقين )) [ التوبة 9\44] = ( 14 ) كلمة

(( إنّما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر و ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون )) [ التوبة 9\45] = ( 14 ) كلمة

____________________________

(( إنّا نحن نزّلنا الذكر و إنّا له لحافظون )) [ الحجر 5\9 ] = ( 7 ) كلمات

(( و لقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين )) [ الحجر 5\10] = ( 7 ) كلمات

____________________________

(( و أصحب اليمين ما أصحب اليمين (27) في سدرٍ مّخضودٍ (28) و طلحٍ مّنضود (29) و ظلٍ ممدود (30) و ماءٍ مسكوبٍ (31) و فكهةٍ كثيرةٍ

(32) لا مقطوعةٍ و لا ممنوعةٍ (33) و فُرُشٍ مرفوعة (34) إنّا أنشأنهنّ إنشاءً (35) فجعلنهنّ أبكاراً (36) عُرُباً أتراباً (37) لأصحاب اليمين (38) ثلّةٌ من الأولين (39) و ثلّةٌ من الأخرين (40) )) [ الواقعة 56\27-40 ]= ( 37 ) كلمة

(( و أصحب الشمال ما أصحب الشمال (41) في سمومٍ و حميم (42) و ظلٍ من يحموم (43) لا باردٍ و لا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) و كانوا يصّرون على الحِنثِ العظيم (46) و كانوا يقولون أءِذا متنا و كنّا تراباً و عظماً أءِنّا لمبعوثون (47) أو ءاباؤنا الأولون (48) )) [ الواقعة 56\41-48 ]= ( 37 ) كلمة

 

و سننطلق الآن باتجاه رسم الكلمة القرآنية لنرى بأم أعيننا أن هذا الرسم توقيفي و بأمر من الله تعالى و أنّه ليس للبشر أي اجتهادٍ في ذلك ..

لو نظرنا الى كلمة ( غمام ) في القرآن الكريم لرأيناها ترد (4) مرّات ، و هي في النصوص التالية :

(( و ظلّلنا عليكم الغمام و أنزلنا عليكم المنّ و السلوى )) [ البقرة 2\57]

(( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام )) [ البقرة 2\210]

(( و ظللنا عليهم الغمم و أنزلنا عليهم المنّ و السلوى )) [ الأعراف 7\160]

(( و يوم تشقق السماء بالغمم و نزّل الملئكة تنزيلاً )) [ الفرقان 25\25 ]

إننا نرى أن كلمة الغمام ترسم بألف ما بين حرفي الميم إذا كانت الصورة المنقولة عبر النص القرآني تصّور المسألة من منظار المخاطب و من منظار الرائي للمسألة .. و أن هذه الكلمة ترسم دون هذه الألف بين حرفي الميم إذا كانت الصورة المنقولة عبر النص القرآني تصّور المسألة من منظار الغائب و من منظار عدم رؤية هذه المسألة ..

و لو نظرنا الى كلمة ضعفاء في القرآن الكريم لرأيناها ترد (4) مرّات منها مرتان ترد فيها كما هو الحال في كتابتنا الإملائية ، و مرتان ترد فيها هذه الكلمة باستبدال الألف و الهمزة بواو و ألف ..

و لو نظرنا الى هذه الكلمة المرسومة بشكل موافق لقواعدنا الإملائية لرأيناها تصّور لنا هذه المسألة من منظار الدنيا و تصف لنا ضعفاء الدنيا ..

(( أيودّ أحدكم أن تكون له جنةٌ من نخيلٍ و أعنابٍ تجري من تحتها الأنهر له فيها من كل الثمرت و أصابه الكبر و له ذريةٌ ضعفاء ُ فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت )) [ البقرة 2\266 ]

((ليس على الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرجٌ إذا نصحوا لله و رسوله ما على المحسنين من سبيلٍ و الله غفورٌ رحيمٌ )) [ التوبة 9\91 ]

و لو نظرنا الى هذه الكلمة حينما تستبدل فيها الألف و الهمزة بواو و ألف لرأيناها تصف لنا مسألة الضعفاء من منظار الآخرة ..

(( و برزوا لله جميعاً فقال الضعفؤا للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنّا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهدينكم سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص )) [ ابراهيم 14\21]

(( و إذ يتحاجّون في النار فيقول الضعفؤا للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنّا نصيباً من النار )) [ غافر 40\47]

و هكذا نرى أن رسم الكلمة القرآنية ليس خبط عشواء ، و ليس حسب قواعد وضعية من وضع البشر ، و إنما يتعلق بحكمة الهية مرادة ، و في عرضنا للأبعاد الإعجازية القادمة التي تتعلق بالحروف ستظهر هذه الحقيقة أمام أعيننا بشكل واضح و جلي ..

 

و سنبحر الآن باتجاه بعض الأوجه الإعجازية المتعلقة بالحروف المرسومة في القرآن الكريم..

إن العبارات القرآنية التي تصوّر المسائل المتناظرة ترد في القرآن الكريم عبر واحدات تصوير ( حروف ) متناظرة أيضاً ، أي أن مجموعي حروف الركنين المتناظرين في العبارة القرآنية متساوٍ تماماً ..

و لو أخذنا الآية التالية في سورة البقرة ..

(( ذلك الكتب لا ريب فيه هدىً للمتقين )) [ البقرة 2\2 ]

إن الصورة القرآنية (( ذلك الكتب )) تشير الى القرآن الكريم ، و الصورة القرآنية (( لا ريب فيه )) تبين سلامة هذا الكتاب من الريب .. فنحن اذاً أمام مسألة مكونة من ركنين متناظرين تماما ، ركنها الأول القرآن الكريم و ركنها الثاني السلامة من الريب .. و هذان الركنان يقتضي أحدهما الآخر فالقرآن الكريم سليم من الريب ، و لا يوجد كتاب سليم من الريب إلاّ القرآن الكريم .. و هذا التناظر التام نراه منعكساً في مجموع الحروف المصورة لكل ركن من هذين الركنين فكل ركن مكون من ( 8 ) حروف مرسومة..

ذلك الكتب = 8 حروف مرسومة

لا ريب فيه = 8 حروف مرسومة

و لو نظرنا الى الآية الكريمة كاملةً كمسألة كاملة لرأيناها مكونة من ركنين متناظرين تماماً ، ركنها الأول العبارة (( ذلك الكتب لا ريب )) و ركنها الثاني العبارة (( فيه هدىً للمتقين )) فالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الريب ، هو هدىً للمتقين ، و من جهة أخرى فإن الهدى الذي يبحث عنه المتقون موجود في القرآن الكريم .. هذا التناظر نراه منعكساً في مجموع الحروف المصوّرة لكل ركن من هذين الركنين ..

(( ذلك الكتب لا ريب )) = ( 13 ) حرفاً

(( فيه هدىً للمتقين )) = ( 13 ) حرفاً

و لننظر الى الآية الكريمة التالية..

(( إنّني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني و أ قم الصلوة لذكري )) [ طه 20\14 ]

إن ما تحمله الصورة القرآنية (( إنني أنا الله )) يقتضي ما تحمله الصورة القرآنية (( لا إله إلاّ أنا )) و العكس صحيح ، فما تحمله الصورة القرآنية الثانية يقتضي ما تحمله الصورة القرآنية الاولى .. و هذا التناظر نراه منعكساً في مجموع الحروف المصوّرة لكل ركن من ركني هذه المسألة ..

(( إنني أنا الله )) = ( 11 ) حرفاً

((لا إله إلاّ أنا )) = ( 11 ) حرفاً

و لو أخذنا هذه المسألة بركنيها لرأيناها ركناً جديداً في مسألة أخرى تشمل الآية كاملةً..

(( إنّني أنا الله لا إله إلاّ أنا )) = ( 22 ) حرفاً

(( فاعبد ني و أ قم الصلوة لذكري )) = ( 22 ) حرفاً

فالله تعالى الذي لا إله إلاّ هو ( و هذا ما يصوره الركن الأول ) ، يستحق من الكائنات المكلفة أن تعبده و أن تقيم الصلاة لذكره جلّ و علا ..

و من جهةٍ أخرى ، فإن العبادة و إقامة الصلاة لا يستحقها إلا الله الذي لا إله إلاّ هو ..

و لننظر الى الصورة القرآنية التالية المكونة من ركنين متناظرين تماماً ..

(( و بلغت القلوب الحناجر و تظنون بالله الظّنونا )) [ الأحزاب 33\10 ]

(( هنالك ابتلى المؤمنونَ و زُلزلوا زلزالاً شديداً )) [ الأحزاب 33\11 ]

و كل ركن من هذين الركنين عبارة عن مسألة مكونة من ركنين متناظرين تماماً ..

(( و بلغت القلوب الحناجر )) = ( 18 ) حرفاً

(( و تظنون بالله الظّنونا )) = ( 18 ) حرفاً

(( هنالك ابتلى المؤمنونَ )) = ( 18 ) حرف

(( و زُلزلوا زلزالاً شديداً )) = ( 18 ) حرفاً

و الأمثلة كثيرة فقد عرضنا في النظرية الاولى ( المعجزة ) مئات الأمثلة في شرح هذا البعد الإعجازي..

و لو نظرنا الى مجموع حروف النص القرآني المصّور لمسألة ما ، لرأينا أنّه يتعلق بماهية المسألة التي يصّورها هذا النص .. و نقف أمام مثالٍ واضحٍ وضوح الشمس للبرهنة على هذا البعد الإعجازي في القرآن الكريم ..

نحن نعلم أن سورة نوح عليه السلام هي السورة الوحيدة في القرآن الكريم من بين مجموعة السور المسماة بأسماء الرسل عليهم السلام التي تتحدث من أول كلمة فيها حتى آخر كلمة عن الرسول الذي سميت بإسمه .. و نعلم أيضاً أن مدة اللبث الوحيدة التي ذكرت في القرآن الكريم هي مدة لبث نوح عليه السلام في قومه ، و هذه المدة كما نعلم هي ( 950 ) عاماً .. لذلك نرى أن سورة نوح عليه السلام مكونة من ( 950 ) حرفاً مرسوماً ، كل حرف يشير الى سنة من هذه السنين..

وسننطلق الآن عبر بعد جديد من الأبعاد الإعجازية في القرآن الكريم ، وهو الوجه الإعجازي المتعلق بالعدد (19) ، وهذا البعد الإعجازي بينه القرآن الكريم في الصورة القرآنية التالية :( عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا اصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتب ويزداد الذين امنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون ...... ) المدثر : 74 / 30-31

لو قمنا بجمع أسماء الأنبياء والمرسلين عليهم السلام في القرآن الكريم لرأينا أن هذا المجموع هو العدد (513) ، ولو قمنا بجمع مشتقات كلمة أرسل في القرآن الكريم لرأينا أن المجموع هو - أيضاً - العدد (513) ..

والعدد (513) هو من مضاعفات العدد (19) : 513 = 19 × 27 ،

والوجه الإعجازي المتعلق بالعدد (19) بالنسبة لهذه المسألة ، يرتبط بمجموع ورود الأسماء القرآنية الواردة في بعض النصوص القرآنية ، عبر القرآن الكريم ، ولنأخذ الأمثلة التالية :

( ووصى بها إبرهم بنيه ويعقوب يبني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبرهم وإسمعيل وإسحق إلها وحداً ونحن له مسلمون )

البقرة : 2 /132- ا33

إن الأسماء الواردة في هذا النص القرآني الذي يصور مسألة كاملة هي : إبراهيم ، يعقوب، إسماعيل ، إسحق ، وبجمع مرات ورود هذه الأسماء في القرآن الكريم ، نرى أن المجموع مرتبط بالعدد (19) : 69+16+12+17=114=19×6

ولننظر إلى الآيات الكريمة التالية التي تصور لنا روح الحجة التي آتاها الله تعالى إبراهيم على قومه ، ورفع الله تعالى درجات لمن يشاء من عباده ..

( ووهبنا له إسحق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصلحين (85) وإسمعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العلمين ) الأنعام : 6/84-86

إن مجموع ورود هذه الأسماء عبر القرآن الكريم يرتبط بالمعجزة العددية ( عليها تسعة عشر ) :

إسحق=17، يعقوب=16، نوح=43، داود=16، سليمان =17،أيوب =4، يوسف =27،موسى =136 ، هارون =20 ،زكريا =7، يحيى =5، إلياس =2، إسماعيل =12،اليسع =2، يونس =4،لوط =27، وهكذا يكون المجموع = 380 = 19×20

ولو أخذنا الأسماء القرآنية المرتبطة بكلمة آل في القرآن الكريم لوجدناها الأسماء التالية :

فرعون =74 ، موسى =136، هارون =20،إبراهيم =69، عمران =3،يعقوب =16، لوط =27،داود =16، وبجمع مرات ورود هذه الأسماء في القرآن الكريم نرى أن المجموع مرتبط بالوجه الإعجازي (عليها تسعة عشر ) ، المجموع = 361 =19×19

وهكذا نرى أن المعجزة العددية في القرآن الكريم هي نتيجة لكون القرآن الكريم متعلقاً بصفات الله تعالى ، ولكون صياغته مرتبطة مباشرة بالله تعالى ، وهذا ما يميزه عن باقي الكتب السماوية ،ونرى أيضاً كيف أنه يستحيل على البشر صياغة نص كالنص القرآني ...

المهندس عدنان الرفاعي

الصفحة الرئيسية

مع تحيات موقع الأرقام